جبيل تهزم عون

نسخة للطباعة نسخة للطباعة أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق

إذا كان النائب ميشال عون واثقاً الى هذا الحد من شعبيته بين مسيحيي لبنان ومطمئناً الى رضاهم عن ادائه السياسي رغم تقلباته الكثيرة، مثلما يسرف في التأكيد في خطاباته وتصريحاته، فلماذا كل هذا الإصرار الذي يبديه على حسم نتائج الانتخابات البرلمانية قبل الاقتراع؟ ولماذا يطلب من الجميع الإقرار سلفاً بأنه الزعيم الأوحد لمسيحيي الشرق كلهم، بعدما حرصت سورية على إقناعه بذلك، ويغضب ويهاجم كل من لا يبصم بالعشرة موافقاً أو يكشف ضعف ادعاءاته؟
 
قلق عون من نتائج الاقتراع يبدو واضحاً في الحملة التي يشنها على رئيس الجمهورية بحجة تدخله المزعوم في الانتخابات، معتبراً انه يخرج عن دوره «التوافقي» الذي رسمه له اتفاق الدوحة، في تجاهل مقصود لكون هذا الاتفاق موقتاً تنتهي مفاعيله مع صدور نتائج الانتخابات ليل غد الأحد، وفي تحريف متعمد لمعنى «التوافق» الذي يتحول في قاموسه الى «نزع الصلاحية». اذ يعتبر عون ان كل من يجلس في قصر الرئاسة مجرد بديل اضطراري منه، أملت ظروف معينة اعتماده لفترة محدودة زمنياً الى ان يتسنى له الصعود الى بعبدا، وليس له ان يحكم فعلاً او يحاول الحكم حتى. ومع انه جعل من تعزيز صلاحيات الرئيس أحد عناوين حملته الانتخابية، فإن ذلك يبدو مرتبطاً به شخصياً وليس بموقع الرئاسة نفسه. 
 
لكن الجنرال السابق ليس سوى الواجهة الضرورية التي يتلطى خلفها «حزب الله» لتمرير سياساته وسعيه الدؤوب لإعادة لبنان الى المحور الايراني - السوري. فالمقصود من التسريبات التي تدغدغ احلام عون عن تقصير مدة ولاية الرئيس في حال فوز المعارضة بالغالبية النيابية، توجيه رسالة الى ميشال سليمان بالتمديد القسري لاتفاق الدوحة والتعطيل الممدد لاتفاق الطائف، والتلويح له بإجراءات في حال واصل نهجه المستقل وسعى الى الدور الذي يراه لنفسه وللرئاسة: كنس الازمات وليس إدارتها. 
 
فالتجربة التي عاشها لبنان قبل انتخابه شهدت تعطيل مؤسساته الدستورية واحدة تلو الاخرى: البرلمان ومجلس الوزراء ثم الرئاسة، وتوجت باستخدام السلاح واحتلال بيروت لفرض التعطيل عرفاً سياسياً. ولا بد من معادلة جديدة تعيد تفعيل هذه المؤسسات وتستند الى قوة مستقلة يكون لها الصوت المرجح في ادارة شؤون البلاد بعيداً من مصالح هذا الطرف او ذاك، قوة تعيد لبنان المتوازن، المتصالح مع محيطه من دون تبعية، والمدافع عن استقلاله من دون استفزاز، والحريص على دوره بلا محاور ولا أحلاف. وهذا كله ليس ممكناً من دون تكريس دور الرئاسة الاولى وتعزيز صلاحياتها. 
 
ان قلق المعارضة عموما، وعون خصوصا، من ان تثبت نتائج الانتخابات رفض اللبنانيين سياسات التعطيل والترهيب وتغليب الارتباطات الخارجية، يجعلهما يريان في أي تطور انتخابي، ولو بسيط، تهديداً كبيراً و «مؤامرة» تحاك ضدهما، حتى غدا انسحاب المرشحين إميل نوفل ومحمود عواد من المعركة في قضاء جبيل، سبباً لفقدان اعصابهما وشن حملة غير مسبوقة على موقع الرئاسة. والمعنى الوحيد لهذا الاضطراب تدنّي ثقة تحالف المعارضة بقدرته على نيل ثقة الناخبين، ومؤشر الى ان «التسونامي» الذي يتوعد به عون خصومه الكثر قد يتحول بسبب مقعد هنا ومقعد هناك، الى مجرد موج ضعيف يتكسر على شاطئ عمشيت، مسقط الرئيس، ولا يخشاه أحد.
 
حسان حيدر
 

الحياة
No votes yet